ابن قيم الجوزية

129

البدائع في علوم القرآن

فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) [ آل عمران ] والشاكرون : هم الذين عرفوا قدر النعمة ، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا ، فظهر أثر هذا العتاب ، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وارتد من ارتد على عقبيه ، وثبت الشاكرون على دينهم ، فنصرهم اللّه وأعزهم وظفرهم بأعدائهم ، وجعل العاقبة لهم . ثم أخبر - سبحانه - أنه جعل لكل نفس أجلا لا بد أن تستوفيه ، ثم تلحق به ، فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا ، وإن تنوعت أسبابه ، ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، ثم أخبر - سبحانه - أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون ، فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، وما وهنوا عند القتل ، ولا ضعفوا ، ولا استكانوا ، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام ، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة ، بل استشهدوا أعزة كراما مقبلين غير مدبرين ، والصحيح : أن الآية تتناول الفريقين كليهما . ثم أخبر - سبحانه - عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم ، وأن ينصرهم على أعدائهم ، فقال : وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) [ آل عمران ] . لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم ، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها ، وأنها نوعان : تقصير في حق أو تجاوز لحد ، وأن النصرة منوطة بالطاعة ، قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم ، لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ، ونصرها على أعدائهم ، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم ، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا ، فوفوا المقامين حقهما : مقام المقتضي ، وهو التوحيد والالتجاء إليه - سبحانه ، ومقام إزالة المانع من النصرة ، وهو الذنوب والإسراف . ثم حذرهم - سبحانه - من طاعة عدوهم ، وأخبر أنهم أن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة ، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد . ثم أخبر - سبحانه - أنه مولى المؤمنين ، وهو خير الناصرين ، فمن والاه فهو المنصور . ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم ،